الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية العميد فتحي التريكي يقدم قراءة في نتائج الدور الاول للانتخابات الرئاسية في علاقة بالمركز وتحرّر المعلومة والزعامة الفردية

نشر في  16 سبتمبر 2019  (21:07)

قدّم أستاذ الفلسفة ورئيس كرسي اليونسكو للفلسفة في جامعة تونس حاليًا فتحي التريكي قراءة لما أفرزه الصندوق الانتخابي في الدور الاول للانتخابات الرئاسية في علاقة بمفاهيم الأحزاب المركزية والزعامة الفردية والإيديولوجيات الموحدة.

وهذه القراءة التي قدمها العميد فتحي التريكي كما نشرها على صفحته بموقع الفايسبوك:

"التقديرات التقريبية وغيرالرسمية لمعاهد سبر الآراء أعطت للمرشح المستقل قيس سعيد، وهو أستاذ للقانون الدستوري، وللمرشح نبيل القروي وهو رجل أعمال ورئيس حزب "قلب تونس" والذي يقبع حاليا في السجن إمكانية المرور إلى الدور الثاني من أجل الوصول إلى قصر قرطاج والحصول على رئاسة الجمهورية في تونس.

وذهب كل المحللين تقريبا إلى القول بأن ذلك يعكس إرادة شعبية قوية عاقبت كل الذين تحصّلوا على مناصب منذ بداية الثورة ولم يفعلوا شيئا يذكر لفائدة الفئات الفقيرة والشباب العاطل عن العمل ولفائدة الشعب بل كان همّهم التواجد في أماكن القرار وخدمة اللوبيات الفاسدة.

فقد كانت الانتخابات التونسية فرصة للإرادة الشعبية أن تبرز موقفها الرافض للنسق الذي تكوّن بعد الثورة والذي أراد الإطاحة بمكاسبها ومستحقاتها. والحقيقة أنّ ما لم يفهمه السياسيون عندنا أن عهد الأحزاب المركزية والزعامة الفردية والإيديولوجيات الموحدة قد ولى وانتهى في كل بلدان العالم وكنت قد كتبت الكثير عن نهاية المركز والنسق وسيصدر لي بباريس مقال حول هذه الظاهرة بالذات وأريد هنا أن أقدّم موجزا لهذه النظرية حيث كتبت ما يلي :

"السؤال الذي لابد أن نطرحه في هذا المستوى من البحث عندما نحاول ربط المجال الفلسفي بالعالم يتمثل في معرفة طبيعة التحولات العويصة والمختلفة والجذرية التي أثرت في الآن نفسه في الإنسان وفي محيطه فغيرت طرق مواصلاته ونمط تفكيره كما أحدثت هزّات شديدة في نظرتنا للعمل والسلطة والقيم والمعاملات والعلاقات البشرية. يبدو أن عوامل هذه التغيرات مرتبطة ارتباطا شديدا ببنية سلوكياتنا التفكيرية والاجتماعية على حدّ السواء.

إذ أنها قد كانت متمركزة حول مراكز معروفة ومحددة، لها وظائفها ونمط عملها، فيمكن أن تكون هذه المراكز سياسية: كالدولة أو الحزب، ويمكن أن تكون اقتصادية كالمؤسسة ذات الإدارة العامة، ويمكن أن تكون اجتماعية كالعائلة أو الطبقة.

فقد كان المركز هو الوحيد مبعث القرارات وسبب التغيرات والإحداثات وله وحده تعود كل المرجعيات، بل يمكن أن نرتب هذه المراكز ترتيبا تفاضليا حسب معطيات متعددة فقد كانت المركزية إذن هي دعامة نظام العيش والتعايش اجتماعا وسياسة وتفكيرا.
أما الآن فقد بدأت تتغير منزلة فكرة المركز في أنحاء كثيرة من العالم بظهور طريقة جديدة خاصة بالتواصل مثل الشبكات والنواتات المتعددة والمترابطة التي تعمل بواسطة قنوات اتصال على طريقة الإعلامية. فالبلدان الأوربية توحّدت الآن لا بواسطة إيجاد مركز لها، بل بتكوين نواتات متعدّدة في أمكنة متعددة من اوربا.

كذلك الشأن بالنسبة إلى الوضعية المالية في العالم فأسواقها المالية هي الآن بمثابة روابط متشابكة ومتعددة في العالم تتفاعل باستمرار. أما بالنسبة إلى الإعلام فالإرتباطات الفضائية والمحطات التلفزية المختلفة قضت على مركزية الإعلام داخليا وخارجيا وبدأت تحرّر المعلومة التي أصبحت في متناول الجميع والغباء هو الذي يحدو ببعض الأنظمة في العالم العربي أن تسلّط الرقابة عليها.

ولعلّ نقطة البداية في هذه الظاهرة الجديدة تتمثل في الثورة الإعلامية الهائلة التي غيرت مجرى حياتنا اليومية فاتصلت بأعمالنا كلها تقريبا وطوّرت الترابط بواسطة الانترنات والفضائيات والهاتف المحمول بصفة مباشرة وآنية.

وما يهمنا هنا أن تصوّراتنا المختلفة هي أيضا قد فقدت مركزيتها، فلم نعد نفكر الآن من خلال مرجعية مركزية، لم نعد نفكر مثلا مع ماركس أو ضدّه، ولم نعد نبني مراحل تخمينات بعلاقة متينة مع أنساق فلسفية واتجاهات مذهبية. لقد أصبح تفكيرنا يكاد يكون مؤقتا يتأقلم مع سرعة التغيرات وسرعة إحداث الشّبكات والنـّواتات التّرابطية وسرعة حلّها، فالمعارف قد أصبحت اليوم تتراكم بشدّة وتتغير بشدّة، وأصبحت المعلومة في حدّ ذاتها موجودة داخل ارتباطات متعدّدة لشبكات مختلفة، فيصعب فهمها وتحليلها رغم أنها أصبحت من معطيات الحياة العامة، يكفي أن نستعمل الحاسوب لنصل إليها بصفة مستمرة، بل لنحصل على المعلومات الخاصة بالثقافات المتنوعة في العالم وعلى الإنتاجات الفكرية والفينة التي أصبحت متوفرة بصفة مذهلة، في تناغم بين الصورة والصوت، تأتيك المعلومات في لحظة تكوّنها فما تكاد تحملها إلاّ وقد أتت معلومة أخرى لتحلّ محلّها.
إن التعمق في مستتبعات إعادة صياغة المركز أي ما سميناه بالشبكات الترابطية المتعددة التي قد فتحت مجالات أكبر لفائدة فكرة التنوع يؤدي إلى إقرار ظاهرتين متناقضتين : ظاهرة بروز الفرد و الفردانية في المجتمع من حيث إنه أصبح أكثر تحررا من آليات المجتمع ومقتضياته، بل أصبح في المجتمعات الغربية يملي أحيانا قيمه ومواقفه ويغير سلوكيات المجموعة تجاهه فيظهر ذلك بجلاء مثلا في السلوكيات الجنسية وفي إقرار أولية الجسد وأهميته وفي استقلالية الفرد عن العائلة، وفرض نمط عيش قد تخرج عن المعتاد.
ولكن ذلك قد يؤدي إلى ظاهرة ثانية تتمثل في ارتباط الفرد بشبكة معينة قد تتحكم كما بينا في كل اختياراته وقراراته وطريقة عيشه عن شعور أو عن غير شعور. فالأدهى من ذلك أن الفرد قد يجد نفسه عن اختيار أو بالصدفة داخل شبكة علاقات تتحكم فيها قوى هدامة كشبكات المافيا مثلا أو شبكات الإرهاب، أو شبكات التجسس الدولية وغيرها والتي ستنتهز فرصة تفجر المركز لتفرض سلطتها على الفرد والمجتمع حتى أن السلطة في كثير من بلدان العالم أصبحت محاذية للسلطة المافوية التي قد تتغلّب عليها لتتحكّم في دواليب الدولة وتلابيب المجتمع.
ولكم سديد النظر".